الشيخ محمد رشيد رضا
117
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المعقول . وانتظر أيها القارئ قوله تعالى « أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها » الآية وأما قوله « أو يكبتهم » فقد فسروه بأقوال ، منها أن معناه يخزيهم ومنها ان معناه يصرعهم لوجوههم وفي الأساس : كبت اللّه عدوه أكبه وأهلكه . ولكن صاحب الأساس فسر الكلمة في الكشاف بقوله « ليخزيهم ويغيظهم بالهزيمة » وقال الراغب : الكبت الرد بعنف وتذليل . وقال البيضاوي « أو يخزيهم والكبت شدة الغيظ أو وهن يقع في القلب » وكل هذه المعاني وردت في كتب اللغة وصرح البيضاوي بأن « أو » هنا للتنويع لا للترديد . والمعنى انه يقطع طرفا وطائفة ويكبت طائفة أخرى أي ويتوب على طائفة ويعذب طائفة كما في الآية الآتية لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ جملة « لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ » معترضة بين هذا التقسيم ، وما بعدها معطوف على ما قبلها . ولما كانت هذه الآية مما نزل في وقعة أحد كما روى في الصحيح تعين أن تكون التي قبلها كذلك وإلا كانت غير مفهومة إلا بتكلف ينزه القرآن عن مثله على كونه لا حاجة إليه أما كونها نزلت في شأن وقعة أحد فيدل عليه ما ورد في سبب نزولها . روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث ابن عمر قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحد « اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن أمية » فنزلت هذه الآية فتيب عليهم كلهم . وروى البخاري عن أبي هريرة نحوه وروى أحمد ومسلم من حديث أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال « كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ » فأنزل اللّه « لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ » الآية ذكر ذلك كله السيوطي في لباب النقول ولم يعز الأول إلى الترمذي والنسائي اكتفاء بمن هو أصح منهما رواية . وقد روى ذلك ابن جرير من عدة طرق . وما روى غير ذلك لا يعتد به . ولا تنافى بين حديث ابن عمر وحديث انس لأن الجمع بينهما ظاهر ، وهو أنه قال ما قال فيهم حين أدموه ، ثم لعن رؤساءهم فنزلت الآية عقب ذلك كله